يوسف المرعشلي
843
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وألقى دروسه في مساجد كثيرة إلى جانب الحلقات التي عقدها في بيته وبيوت أصحابه . أول ما درّس في ( جامع يلبغا ) كما ذكرنا بتكليف من شيخه عطا اللّه الكسم رحمه اللّه ، ثم توالت دروسه ، فدرّس في الجامع الأموي ، وشهد له فيه بالإتقان شيوخه وزملاؤهم كالقاضي عبد المحسن الأسطواني . وكان تدريسه بالجامع الأموي بين العشاءين كل يوم قبليّ قبر رأس يحيى رحمه اللّه وفي جانب المحراب الحنفي . وكانت له حلقة خاصة في جامع التوبة لخاصة طلابه درّس فيها الكتب الكبار ك « حاشية ابن عابدين » ، و « اللباب في شرح الكتاب » و « الاختيار » و « شروح المنار » وغيرها ، وكان ذلك صباح كل يوم بعد الفجر وبعد العشاء ، كل ذلك إضافة لتدريسه اليومي في معهد العلوم الشرعية الذي درس فيه الفقه والأصول والقرآن الكريم وعلومه . وأسهم في التعليم بمدارس عدة كمدرسة الريحانية ، ومدرسة الجمعية الغرّاء ، والمدرسة التجارية التي يديرها الشيخ مصطفى الطنطاوي ، ومدرسة سعادة الأبناء ، درّس فيها التجويد والفقه وغيرهما . كان عضوا في رابطة العلماء التي يرأسها الشيخ أبو الخير الميداني . وكان رئيسا لجمعية المدرسة التجارية التي تعلم الطلاب الفقراء مجانا ، ورئيسا فخريا لجمعية العقيبة الخيرية ؛ إحدى أوليات الجمعيات المشهورة في دمشق . كان المرجع الأول في الفتاوى والرسائل التي كانت تنهال عليه من شتى أقطار العالم الإسلامي ؛ أقاصيه وأدانيه تستفتيه وتسأله ، فيجيب عنها بإخلاص وأمانة ورحابة صدر ، يبذل فيها وقته وصحته ، لا يعبأ بمرض ولا يبالي بألم . واشتهرت أجوبته وأدهشت كبار العلماء والمفتين وأساتذة الجامعات . فضلا عن أن بيته كان ملجأ الناس في خلافاتهم وإصلاح ذات بينهم . وكانت تأتيه الأسئلة من دائرة الإفتاء ، فيجيب عنها ، وترد عليه المناقشات والأبحاث بين أهل العلم ، والخلافات التي تظهرها مناقشاتهم العلمية فيرجّح بينهما ، ويكون قوله الكلام الفصل . نذكر هنا موقف عالم حماة الشيخ محمد الحامد رحمه اللّه ، الذي أعلن على المنبر رجوعه عن فتوى قال بها عندما تبيّن له خلافها بعد سؤاله المترجم عنها . وكان يأخذ بعزائم الأمور لنفسه وللمستفتي ؛ يفتي بالمشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة ، ويدع الأقوال الضعيفة . ويحسن هنا أن نذكر أنه ما كان يفتي بموضوع الطلاق الثلاث إلى علي أنه وقع ثلاث طلقات ، وما كان يحب أن يدلّ المستفتي على المشايخ الذين يفتون بأقوال غير أقواله . وحلقة درسه في غاية الضبط والإتقان ، يطلب من تلاميذه تحضير البحث المقرّر قبل مجيئهم ، وفي الدرس يقرأ الطالب المسألة فيلاحظ هو سلامة قراءته ، ثم يقرر العبارة ويشرحها ، مع تحليل وتدقيق فيها ، وبعدئذ يناقش طلابه ليتأكد منهم جميعا مدى فهمهم ، ثم ينتقل إلى المسألة التي تليها ، ويشغل الطلاب كلهم بالقراءة والسؤال والمناقشة ، ويجذبهم إليه بكليتهم ، فلا يسمح لهم بشرود عن الدرس ، أو خروج عن الجد الخالص ، ويكره لهم أن يسألوا سؤالا خارجا عن موضوع الدرس ، ويكتشف من خلال النقاش من أهمل التحضير . ولذلك فلم يثبت عنده إلا الطلاب النجباء الذين أتوا للعلم فقط . أحب المترجم تلاميذه ومريديه وقدّرهم واستشارهم في الفتاوى التي يفتيها ، وخاصة الفتاوى التي تحتاج لطبيب أو متخصص في علوم الدنيا . وكان المفتي الشيخ محمد الأسطواني يعرض عليه ما يفتي به ويستشيره قائلا : « أستشيرك لأنك لا تهز برأسك ، وإنما تبيّن لي الخطأ والصواب » . حفظ عليه كثير من الطلاب القرآن الكريم ، وكانوا لا يجارون في قراءتهم وضبطهم . ولكي يوجه طلابه إلى أخلاق العلماء والصالحين ، ويعلمهم الزهد والعزة والكرامة ، فقد مزج دروسه بقصص هؤلاء ، وهم من أشياخه أو أشياخ شيوخه ، ومن في طبقتهم من الأولياء وأقطاب العلم ، وهو يروي عنهم ما يقوله بسنده إلى أصحابها الذين سمعها منهم ، ويتميز عن غيره من علماء عصره بالرواية المعتمدة والأسلوب الممتع الفذ . ولقد اهتم بكتب معينة وعمل على تدريسها منها : - « حاشية عابدين » . - « شرح منية المصلّي » . للحلبي . - « قطر الندى وبلّ الصدى » . لابن هشام . - « رياض الصالحين » . للنووي . - « الأذكار » . للنووي . - « مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر » . لعبد الرحمن بن محمد المعروف بشيخي زاده .